الشعوب بين التنويم القمعي.. وفتاوى التضليل ــ د. نسيب حطيط

الأحد 24 آذار , 2024 07:53 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات
كشفت حرب غزة، وقبلها "الربيع العربي"، المحنة التي تعيشها الشعوب العربية، حيث ظهرت كأفراد وجماعات وفق إحدى حالتين: 
- حالة الآلات البشرية التي تحرّكها اجهزة الاستخبارات بواسطة انظمة او شخصيات معارضة او فتاوى علماء السلطة.
- حالة الجثث المتحركة التي تأكل وتشرب وتتناسل وتعمل، لكنها صماء عمياء لا علاقة لها بما يجري حولها.
ان هذه الظاهرة الخطيرة حول موت الإنسانية والأخوة في النفوس والحيادية التامة عن مواجهة الظلم والاحتلال والغزو وقمع السلطة والبقاء في حالة استسلام استثنائية، وكأن الشعوب تلقّت جرعات الشلل السياسي بواسطة ادوات القمع والسجون، او بواسطة فتاوى التضليل والتسطيح والخرافة والتحريف بوجوب إطاعة الحاكم، ولو ألهب ظهرك بالسياط، او كان عميلا وظالماً..
عانت الشعوب العربية من احتلال ارضها واستعمارها من الصليبيين الى العثمانيين ثم الفرنسيين والبريطانيين ثم "الاسرائيليين" والأميركيين، لكنها استطاعت مقاومة هذه الاحتلالات، لأنها كانت تملك حريه العقل والحركة لكنها الان تعيش حالت "احتلال العقل" العربي الذي يؤمّن طواعية احتلال الارض ومصادره الثروات.
إن احتلال العقل العربي ليس حكرا على عقول العامة، بل اغلبية النخب السياسية والثقافية، بالتلازم مع تهجير العقل العربي المعرفي والابداعي الى الغرب، بسبب الحصار وانعدام فرص الابداع والاختراع في اوطانه.
ان حاله الانحطاط والشلل التي تعيش فيها الشعوب تمثل عصر الانحطاط الفكري المعاصر واعاده احياء بعض قيم الجاهلية القديمة وفق اولوية ان يبقى الانسان الفرد حيّا بعيدا عن الضرر ولو قُتل الاخرون، حيث نعيش اكبر مأساة على مستوى الشعوب ووحدة مصيرها، فيُقتل اهل غزة منذ ستة اشهر دون ان تتحرك الشعوب لنُصرتها او التضامن معها، وتثابر هذه الشعوب على صومها وصلاتها وترفع يديها بالدعاء وتذهب الى اعمالها حتى تنتهي المجزرة الكبرى في غزة دون ان تتحرك اغلبية الشعوب (ماعدا بعض الاستثناءات القليلة)، لتخفيف القتل او منعه بما يشبه موقف الدجاج او الغنم الذي يأخذه الجزار الى الذبح واحدا تلو الاخر دون ان يدافع عنه من كان معه في "القن" او "الحضيرة"، مما ثبّت مقولة المناطقية او الطائفية او المذهبية ضمن البلد الواحد، ثم القُطرية داخل الامة، فصار شعار "اولاً" من يحكم الجماعة وينسف مفهوم الوحدة ويقدم مصلحة الفرد او الجماعة المنعزلة.
ان هذه الظاهرة تستدعي المبادرة من علماء النفس والاجتماع، والدين ايضا، لمناقشة هذا الوباء العقلي والاجتماعي والديني الذي اصاب هذه الشعوب وجعلها تستدعي من يستعمرها ضمن منظومة "الاستعباد الطوعي" لكل من يؤمّن لها رغيف الخبز ويعطيها الامان بعدم سجنها او سحب الجنسية منها او نفيها او اعدامها.
ان المرحلة المعاصرة تعتمد على مبادلة الخبز والحرية داخل السجن مقابل التحرر والاستقلال والمقاومة.
لن احتلال العقل او ايجاره او تعطيله أخطر انواع الاحتلال والغزو، وقد نساهم في هذه المنظومة ايضا عندما نربّي اتباعنا وأنصارنا على هذه المنظومة لصالح التنظيم او الزعيم او المفتي لأنه الاكثر فكرا وقوه ومالا وخوفا من نقاشه او معارضته حتى لا نتعرض للتكفير السياسي او التكفير الديني وعواقبه الاجتماعية والوظيفية والمادية، وهذا خلاف النص الالهي القرآني الذي يدعو" للتفكر" و"التعقل" و"التدبّر" للوصول الى مرتبة العلماء، لتامين الحوار والمناقشة والجدال الحسن.
للمبادرة لتحرير العقل العربي، للبدء بمرحله تحرير الارض التي احتلها المستعمرون مباشرة او عبر انظمة الحكم والجماعات او المشايخ التي ينصبّوها في الدول لخدمتهم، وتنويم الشعوب بالقمع او الفتوى.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل