الثورة المطلوبة، ليست بثوار تحت الطلب! ــ أمين أبوراشد

الثلاثاء 01 آب , 2023 12:13 توقيت بيروت أقلام الثبات

أقلام الثبات

نعترف أن ما تمّت تسميتها بثورة 17 تشرين عام 2019 قد نجحت في تنفيذ الأجندة بالكامل، طالما تأمنت لها كل مستلزمات التخريب على مدى السنوات الثلاث الأخيرة من عهد الرئيس ميشال عون، وكانت لكل "موقعة ثورية" صباياها وصبيانها، من قاطعي الطرقات في الذوق ونهر الكلب، الى السهارى والسكارى على مفارق جل الديب، الى الراقصين والراقصات بين الداون تاون والرينغ على وقع جلسات "السوشي" وكركرة الأراغيل، مع وفرة ثوار "تحت الطلب" في كل منطقة يُهيمن عليها لون مذهبي أو حزبي ميليشيوي، من طرابلس الى خلدة، وبعضهم من المطلوبين الدائمين لدى القوى الأمنية، وكان يتمّ تحريرهم ليس عبر القضاء بل عبر قطع الطرقات والمعابر من قوى الأمر الواقع!

وبصرف النظر أن سعر كل "ثائر"، يتراوح بين "منقوشة وهرم" لفتيان رمي الحجارة الذين تحملهم البوسطات، الى الذين تصل ليلتهم الى مئة دولار للمناوبة طيلة الليل وتنسيق "الفعاليات"، دون الحاجة الى دخولنا بمصادر التمويل الدولية والإقليمية التي تدفقت الى بعض السياسيين والأحزاب وجمعيات ال NGO'S لشراء الأزلام المنتفعين.

وعلى سيرة الانتفاع والمنتفعين، من حقنا أن نتساءل، مَن هي تلك الجمهرة التي زفَّت رياض سلامة بقرع الطبول والأهازيج والهتافات؟ وكادت أن تقرع له أجراس الكنائس وترفع تكبير المآذن خلال مغادرته منصب حاكمية مصرف لبنان؟ رياض سلامة الذي كانت تطوِّقه مجموعة من عناصر الأمن الخاص على بُعد أمتار من مبنى وزارة الداخلية، يرحل كما البطل الوطني الاستثنائي، ومعه كل أسرار الجرائم الحكومية، الإدارية منها والمالية، وارتكابات حيتان السلطة والمال، وغادر على بساطٍ أحمرَ من الليرات اللبنانية المصبوغة بدم وعرق وعذابات هذا الشعب على مرأى لا بل بمواكبة وتشريفات من ثوار "تحت الطلب" كانوا سابقاً يرفعون شعارهم الغوغائي "كلُّن يعني كلُّن".

"كلُّن يعني كلُّن" حمل رياض سلامة أسرارهم في حقيبته، وارتحل عن الحاكمية بعد حكمٍ بأمره وأمر شركائه لثلاثة عقود، لا هو قادر على التشهير بهم ولا هم قابلون بإدانته لأن "الشيخ زنكي" يجمعهم، بينما زمرة "الثورجيين" انكفأت بعد رحيل الثوري الحقيقي ميشال عون الممنوع عليه فتح "مدفن الشيخ زنكي".

ونحن لسنا في صدد تحميل شريحة من شبابنا أصحاب النوايا الوطنية، مسؤولية خيبة 17 تشرين، بقدر ما نرى أنهم سمحوا لقيادات سياسية وحزبية أن تعتلي أكتافهم بالنعال منذ اليوم الثالث لبدء الثورة، ومنذ ذلك اليوم باتت تليق بغالبيتهم تسمية "ثوار تحت الطلب"، ودخلت فئة الأوادم بنك أهدافهم، بينما تفاصيل ارتكابات هكذا ثورة هي نائمة في أدراج القضاء الى جانب ارتكابات كل الطبقة "البورجوازية" التي ينتمي إليها رياض سلامة.

لسنا من دُعاة الثورة الغير واعية، ولا نحن مع اقتحام الأملاك العامة أو الخاصة، ولا دهم المطاعم بحثاً عن رجل سياسي يتناول عشاءه، ولا نحن ندعو لرمي كل مسؤول مشبوه في مستوعب نفايات والتطواف به، لكننا أمام قضاء / مومياء لا يُدين مرتكباً، ولا يُدان فيه سوى القاضي النزيه الشريف الذي سوَّلت له نفسه الوقوف فوق "قبر زنكي" حيث أسرار كل مَن "إبراؤهم مستحيل"، كما فعلت غادة عون في ملفات سلامة ومكتَّف والنافعة، وكانت النتيجة ملاحقة المنتفعين من هكذا ثورة مشبوهة لهذه القاضية وصولاً الى محاولة إقصائها لا بل طردها من القضاء.

وإذا كانت الثورة في لبنان مطلوبة، رغم استفادة البعض من دولرة الاقتصاد و"دولبة" إرادة شرائح المقهورين من الشعب اللبناني وهم الغالبية، باتت كلمة "ثورة" لا تعني الناس أكثر من فلتان أولاد شوارع، أقصى ما حققوه على المستوى السياسي أنهم أوصلوا بأصواتهم بضعة عشر نائباً تغييرياً، تشرذموا بين أيدي أهل السلطة، وباتوا يتفقون ويختلفون على القطعة، ويتحركون كما ثوارهم في مشهدية هزلية تحت عنوان نواب تحت الطلب، لتبقى الثورة دفينة في قلوب اللبنانيين، بانتظار اليوم الذي تنكشف فيه كل أسرار مدفن الشيخ زنكي ويثور الأوادم الذين دفعوا وحدهم الأثمان، دون أن يعتلي أكتافهم سوى الله وبصيرة الضمائر ولكن بشرط، أن ننظر الى النصف الملآن من كأس رحيل رياض سلامة، وأن نقرأ شخصية وسيم منصوري الذي سيتولى مهام الحاكم مؤقتاً، ليس لكونه ينتمي الى هذه الطائفة أو ذاك المذهب، بل الى إطلالته الأولى التي حملت بشائر كفاءة في مقاربة الأمور مع الحكومة والمجلس النيابي مع تغيير في السياسة المالية واعتماد خطوات الملاءة المناسبة ما قد يرفعنا ربما من حضيض الإفلاس العام.


مقالات وأخبار مرتبطة

عاجل